فصل: سورة الأنبياء:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.تفسير الآيات (128- 135):

{أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى (128) وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى (129) فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى (130) وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى (131) وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى (132) وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى (133) وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى (134) قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى (135)}.
التفسير:
قوله تعالى: {أَفَلَمْ يَهْدِ لَهُمْ كَمْ أَهْلَكْنا قَبْلَهُمْ مِنَ الْقُرُونِ يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِأُولِي النُّهى}.
الاستفهام هنا للإيجاب والتقرير.. ويهدى: يبيّن.. والنّهى العقول، حيث تنهى أصحابها عن المنكرات من الأمور.
ويكون المعنى.. أن القرآن الكريم قد بين لهؤلاء المشركين ما حل بالأمم السابقة قبلهم، وما صار إليه أمرهم، بعد أن عمروا الأرض أكثر مما عمرها هؤلاء المشركون، وقد كان في ذلك عبرة لمن يدير نظره، ويلفت عقله إلى هذه العبر والمثلات.. ولكن القوم في غفلة معرضون.
وقوله تعالى: {يَمْشُونَ فِي مَساكِنِهِمْ} جملة حالية، وصاحب الحال ضمير الغائب العائد على المشركين في قوله تعالى: {قَبْلَهُمْ}.
قوله تعالى: {وَلَوْلا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَكانَ لِزاماً وَأَجَلٌ مُسَمًّى}.
الكلمة التي سبقت من اللّه سبحانه وتعالى، هي قوله تعالى للنبى الكريم:
{وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَما كانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ} فلولا هذه الكلمة التي أعطاها اللّه سبحانه وعدا لنبيه الكريم {لَكانَ لِزاماً} أي لكان أمرا لازما لا محيص عنه، وهو أن يحلّ بهؤلاء المشركين، الذين عصوا رسول اللّه ما حلّ بغيرهم من القرون السابقة، الذين عصوا رسل اللّه.
وقوله تعالى: {وَأَجَلٌ مُسَمًّى} معطوف على قوله تعالى: {كَلِمَةٌ سَبَقَتْ}.
أي لولا كلمة سبقت من ربك وأجل مسمّى لكان لزاما.
وقدّم جواب لولا على بقية الشرط، للاهتمام به، والإلفات إليه.. وأن كلمة اللّه هي الرحمة التي رحمهم بها بفضل مقام النبيّ الكريم فيهم.. فلعلّ هؤلاء المشركين يعرفون نعمة اللّه فيهم، ومقام النبي بينهم.
والأجل المسمى، هو ما قدّر لهم من آجال في هذه الدنيا.
قوله تعالى: {فَاصْبِرْ عَلى ما يَقُولُونَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِها وَمِنْ آناءِ اللَّيْلِ فَسَبِّحْ وَأَطْرافَ النَّهارِ لَعَلَّكَ تَرْضى}.
الخطاب للنبى صلى اللّه عليه وسلم، وهو دعوة له بالصبر على ما يكره من أقوال المشركين المنكرة التي يرمونه.. بها وليجعل من تسبيح ربّه، وذكره وحمده وشكره، غذاءه الذي يتغذّى به، ودواءه الذي يتداوى به، في أوقات مختلفة من الليل والنهار.. قبل طلوع الشمس، وقبل غروبها، وفى أجزاء من الليل، وأطراف من النهار.. وبذلك تسكن نفسه ويطمئنّ قلبه.
{أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [28: الرعد].
قوله تعالى: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلى ما مَتَّعْنا بِهِ أَزْواجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى}.
والخطاب هنا أيضا للنبى، ومن ورائه كل من اتّبعه، وسلك سبيله.
وقوله تعالى: {وَلا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ} نهى يراد به النصح والإرشاد، وذلك بألا يلتفت النبيّ والمؤمنون إلى ما بين أيدى هؤلاء المشركين من أموال وبنين وألا يقع في نفسه، أو أنفس المؤمنين، أن ذلك الذي أمدّ اللّه بعض المشركين، به، من نعمة، هو تكريم لهم، وإحسان منه سبحانه وتعالى إليهم.. بل هو ابتلاء وامتحان لهم، ليرى منهم سبحانه أيشكرون أم يكفرون؟.. وها هم أولاء قد كفروا به، وحادّوه، وحاربوا رسوله، وبهذا تحولت هذه النعم إلى سيئات وأوزار، تضاف إلى رصيدهم مما كسبوا من سيئات وأوزار.
وفى قوله تعالى: {أَزْواجاً مِنْهُمْ} إشارة إلى أن ما يتمتع به المشرك من عطاء اللّه هو شركة بينه وبين زوجه، التي هي متعة من متعه وهو متعة لها.
فالمرأة كالرجل هنا، في أنها مبتلاة بنعم اللّه، ومحاسبة عليها.. فإن شكرت، وآمنت، وعملت صالحا أخذت بحظها من رضوان اللّه، وإن جحدت وكفرت، وخالطت الآثام، فعليها وزر ما عملت، وستلقى جزاءها من عذاب اللّه.
وفى قوله تعالى: {زَهْرَةَ الْحَياةِ الدُّنْيا} إشارة إلى أن ذلك المتاع الذي في أيدى الناس، هو زهرة من زهرات الحياة الدنيا، يبهج العين، ويسرّ القلب.
ولكنّه لا يعمّر طويلا، بل سرعان ما يذبل ويجفّ، ثم يصير حطاما.. تماما كالزهرة. تملأ العين بهجة ومسّرة، ثم تموت وشيكا!! و{زهرة} منصوب على أنه مفعول ثان للفعل: {متّعنا} لتضمنه معنى {أعطينا}.
وفى قوله تعالى: {وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقى} إشارة إلى ما بين يدى النبيّ الكريم من رزق عظيم.. هو القرآن الكريم، ثم تلك الرسالة الشريفة التي اصطفاه اللّه لها، وتخيّره لتبليغها عنه إلى عباده! فأى رزق خير من هذا الرزق؟ وأي عطاء أكرم وأوفر من هذا العطاء؟ إنه أشرف قدرا، وأعظم أثرا، وأخلد ذكرا من كلّ ما في هذه الدنيا من مال ومتاع! قوله تعالى: {وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْها لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى}.
هو دعوة للنبى الكريم أن يدعو أهله من زوج وولد، وكلّ مؤمن ومؤمنة، إذ كانوا جميعا أهله، وهو القيّم عليهم، والمدبّر لأمرهم- أن يدعوهم جميعا للصلاة، إذ هي الصورة المثلى الكاملة لذكر اللّه، وحمده وشكره.
وقوله تعالى: {وَاصْطَبِرْ عَلَيْها} أمر بالمداومة عليها، وإن كان في تلك المداومة شيء من العناء.. فذلك تكليف، وللتكاليف أعباؤها وأثقالها، وإلا ما استحقّ القائمون بها حمدا، ولا استوجبوا أجرا.
وفى قوله تعالى: {لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً} إشارة إلى أن الصّلاة التي يؤديها النبيّ ومن معه من المؤمنين للّه- ليست سدّا لحاجة اللّه سبحانه وتعالى إليها، فاللّه سبحانه في غنى عن العالمين.. وكلّ ما يتقدم به المؤمنون والمتقون إلى اللّه من طاعات وقربات عائد إليهم، حيث تطهر به قلوبهم، وتزكو به نفوسهم، وفى هذا يقول اللّه تعالى: {ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ} [57- 58: الذاريات] ويقول سبحانه في هدى الأضاحى: {لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ} [37: الحج].
وفى قوله تعالى: {نَحْنُ نَرْزُقُكَ} مقابلة لقوله تعالى: {لا نَسْئَلُكَ رِزْقاً} أي بل نحن نرزقك، ونتفضّل عليك ابتداء وانتهاء.
وقوله تعالى: {وَالْعاقِبَةُ لِلتَّقْوى} إشارة إلى أن ما يؤديه النبيّ والمؤمنون للّه سبحانه وتعالى من عبادات، وقربات، هو مما يدّخر لهم، ويبقى.. كما يقول سبحانه: {وَالْباقِياتُ الصَّالِحاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَواباً وَخَيْرٌ أَمَلًا} [46: الكهف].
وفى إسناد العاقبة إلى التقوى، لا إلى الأعمال الصالحة، إشارة إلى أن الأعمال الصالحة هي وسائل إلى غاية، والغاية هي التقوى.. التي هي ثمرة الأعمال الصالحة.
قوله تعالى: {وَقالُوا لَوْلا يَأْتِينا بِآيَةٍ مِنْ رَبِّهِ أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى}.
القائلون هذا القول هم المشركون.. وفى حكاية قولهم، إعلان لهم بتلك التهمة، وعرضهم في ساحة الاتهام بها، والحساب عليها.
والآية التي يطلبونها، ويلحّون في طلبها، هي آية مادية، يرونها رأى العين، ولو كانت عذابا يسقط عليهم من السماء، أو بلاء يطلع عليهم من الأرض.
وفى قولهم: {مِنْ رَبِّهِ} استهزاء بالنبيّ وسخرية به، وسفاهة عليه منهم.
وقد ردّ اللّه عليهم بقوله: {أَوَلَمْ تَأْتِهِمْ بَيِّنَةُ ما فِي الصُّحُفِ الْأُولى} والبيّنة هي القرآن الكريم، والنبىّ الكريم معا.. كما يقول سبحانه: {لَمْ يَكُنِ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتابِ وَالْمُشْرِكِينَ مُنْفَكِّينَ حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِنَ اللَّهِ يَتْلُوا صُحُفاً مُطَهَّرَةً فِيها كُتُبٌ قَيِّمَةٌ} [1- 3: البينة].
والصحف الأولى، هي صحف إبراهيم وموسى، كما يقول اللّه تعالى: {إِنَّ هذا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولى صُحُفِ إِبْراهِيمَ وَمُوسى} [18- 19: الأعلى].
والقرآن والرسول هما بينة لما في الصحف الأولى، أي هما بيان لها، ومعلم لما جاء فيها.. فهو المصدّق لها، والمهيمن عليها.
قوله تعالى: {وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْناهُمْ بِعَذابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقالُوا رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى}.
هو تهديد للمشركين، وأنهم في معرض العذاب بعد أن نزل عليهم القرآن، وبلّغهم الرسول آيات ربّه.. وأنهم لا حجة لهم إذا هم وقعوا تحت عذاب اللّه، وأخذوا بما أخذ به الظالمون قبلهم.. فهم- والأمر كذلك- لا يستطيعون أن يقولوا: ربّنا لولا أرسلت إلينا رسولا قبل أن تأخذنا بهذا العذاب؟ إنك لو أرسلت إلينا رسولا لآمنا به، ولما حلّ بنا الذل والخزي، ولما نزل بنا ما نزل من بلاء!
لقد قطعت حجتهم.. فهذا رسول اللّه بينهم، وهذا كتاب اللّه يتلى عليهم.. فما ذا هم قائلون لو أخذهم اللّه ببأسه، وأوقع بهم عذابه؟
قوله تعالى: {قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى}.
وبهذه الآية تختم السورة الكريمة، لتنهى موقفا من مواقف الدعوة، بين النبيّ والمشركين.
إنهم قد أبلغوا رسالة ربّهم، وقد صرّفت لهم الآيات، وضربت لهم الأمثال، وأقيمت الحجج والبراهين.. وها هم أولاء على مفترق الطرق.. فإما أن يأخذوا يمينا أو شمالا.. إما أن يؤمنوا باللّه، ويستجيبوا لرسول اللّه، فتسلم لهم دنياهم وآخرتهم جميعا.. وإما أن يصدّوا عن سبيل اللّه، ويأخذوا طريقهم مع أهوائهم وشياطينهم، فيخسروا الدنيا والآخرة معا.. وستكشف الأيام ما يكون منهم.
وسيعلم الظالمون لمن عقبى الدار!

.سورة الأنبياء:

نزولها: مكية.. بلا خلاف.
عدد آياتها: مائة واثنتا عشرة آية.
عدد كلماتها: ألف ومائة وثمان وستون كلمة.
عدد حروفها: أربعة آلاف وثمانمائة وسبعون حرفا.
وسميت سورة الأنبياء لكثرة من ذكر فيها من الأنبياء.
بسم اللّه الرّحمن الرحيم.

.تفسير الآيات (1- 9):

{اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ (1) ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلاَّ اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ (2) لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلاَّ بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ (3) قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (4) بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ (5) ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ (6) وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجالاً نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ (7) وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ (8) ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ (9)}.
التفسير:
مناسبة هذه السورة لما قبلها: ختمت سورة طه بالتنديد بالمشركين من أهل مكة، وبمشاقّتهم لرسول اللّه، وتأبّيهم على الهدى الذي يدعوهم إليه، ثم إنهم وقد بعث اللّه فيهم رسولا بلّغهم رسالة ربّه، فلا حجة لهم على اللّه، إذا أخذهم بعذابه، ولا سبيل لهم إلى أن يقولوا: {رَبَّنا لَوْلا أَرْسَلْتَ إِلَيْنا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آياتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزى}.
ثم تختم السورة بهذا النذير المطلّ عليهم، وقد تركوا بمنقطع الطريق، بعيدين عن أن يضعوا أقدامهم على طريق الهدى:
{قُلْ كُلٌّ مُتَرَبِّصٌ فَتَرَبَّصُوا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ أَصْحابُ الصِّراطِ السَّوِيِّ وَمَنِ اهْتَدى}.
وفى مفتتح هذه السورة- سورة الأنبياء- تطلّ على المشركين نذر هذا اليوم، وهم على موعد معه، وإن كانوا في غفلة وذهول عنه.. {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ}.
قوله تعالى: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ}.
الناس هنا، هم هؤلاء المشركون، من أهل مكة، ثم يدخل معهم كلّ الناس، الذين غفلوا عن ذكر اللّه، وعن العمل ليوم الجزاء.
وفى النظم القرآنى {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ} وفى الخروج به عن مألوف النظم، وهو: {اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسابُهُمْ} في هذا توكيد لحسابهم، وشدّهم به شدّا وثيقا لا يفلتون منه.. وشتان بين النظمين: اقترب للناس حسابهم.
واقترب حساب الناس..!
{وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ} أي وهم في غفلة مطبقة عامة.. غفلة عن كل ما هو حق، وخير، كما يدل على ذلك تنكير الغفلة. وليس هذا فحسب، بل إنهم مع غفلتهم هذه العامة الشاملة، {مُعْرِضُونَ} عن كل داع يدعوهم إلى أن ينظروا إلى أنفسهم، وأن ينتبهوا من غفلتهم.
والغفلة قد تكون لأمر عارض، بحيث إذا نبّه الإنسان تنبه، وإذا دعى أجاب.. ولكن غفلة هؤلاء القوم، غفلة مستولية عليهم، آخذة بكل حواسّهم ومدركاتهم: {وَإِنْ تَدْعُهُمْ إِلَى الْهُدى فَلَنْ يَهْتَدُوا إِذاً أَبَداً} حيث أنهم مع هذه الغفلة المستولية عليهم- بعيدون عن دعوات التنبيه، لا يلقونها إلا من وراء ظهورهم.. فهم عنها معرضون.
{ما يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ}.
هكذا شأن هؤلاء الغافلين.. تطرق أسماعهم دعوات متتابعة، مجدّدة، تجيئهم من كل جانب، وتطلع عليهم من كل أفق.. ومع هذا فهم على ما هم عليه، من غفلة، ولهو، وعبث.
والذّكر المحدث، هو ما يتنزل من آيات اللّه، حالا بعد حال، ويتجدّد زمنا بعد زمن.. وهؤلاء المشركون الغافلون على حال واحدة، مع كل ما ينزل من آيات اللّه يسمعونها بآذان لا تصغى إلى حق، وبقلوب لا تتفتح لقبول خير.
{وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ}.
النجوى: التناجي فيما بينهم.
وإسرار النجوى: مبالغتهم في إخفاء ما تناجوا به من منكر القول، حتى يحكموا كيدهم، ويصلوا إلى رأى يجتمعون عليه، ثم يطلعون على الناس به.. إنهم يأتمرون فيما بينهم، ليتفقوا على الكيد الذي يكيدون به لرسول اللّه، ولآيات اللّه.
وقوله تعالى: {الَّذِينَ ظَلَمُوا} هو بدل من الضمير في {أَسَرُّوا}.
أي أن هؤلاء الذين أسرّوا النجوى، هم ظالمون، قد ظلموا أنفسهم بعزلها عن موارد الهدى، وقطعها عن مناهل الخير.
وقوله تعالى: {هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ} هو بيان لما تناجى به القوم، وأتمروا فيما بينهم على اصطياده، من واردات أوهامهم، وضلالاتهم.. {هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ}؟ وإذا كان بشرا مثلنا فكيف يكون له هذا المكان الذي يطلّ عليكم منه، من هذا العالم العلوىّ؟
{أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ}؟ وإذا فكيف نقبل على أنفسنا أن نجيء إلى هذا الخداع ونحن نراه رأى العين؟
وهل يليق بعاقل أن يرى من يدعوه إلى ختله، ولا يحتيال عليه، ثم يأتيه طائعا؟ هكذا يريدون هذا اللّغو، ويسمرون به! قوله تعالى: {قالَ رَبِّي يَعْلَمُ الْقَوْلَ فِي السَّماءِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ}.
قرئ: {قل ربى يعلم القول في السماء والأرض}.
وعلى كلتا القراءتين، فإن الآية ردّ على ما تناجى به المشركون وأسرّوه.
حتى إذا أحكموا نسجه، أعلنوه في هذا القول المنكر: {هَلْ هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَفَتَأْتُونَ السِّحْرَ وَأَنْتُمْ تُبْصِرُونَ}.
وأن اللّه سبحانه يعلم ما أسروا وما أعلنوا، فهو سبحانه يعلم كل ما يقال في السماء والأرض، وهو {السَّمِيعُ} الذي يسمع نجوى القلوب، {الْعَلِيمُ} الذي يعلم ما تكنّ الضمائر.. {وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ} [13: الملك].
قوله تعالى: {بَلْ قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍ بَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ}.
هو فضح لما تناجى به القوم، وكان مما جرى به الحديث بينهم.. فقالوا فيما قالوه عن القرآن الكريم: هو {أَضْغاثُ أَحْلامٍ} أي أخلاط أحلام، وهلوسة نائم، معتلّ المزاج، مخبول العقل.. وإذ لم يرتض بعضهم هذا القول ردّوه، وقالوا: {بَلْ هُوَ شاعِرٌ} أي من واردات الشعر، ومن نسج أخيلته.
وإذ لم يرض بعضهم هذا القول أو ذاك قالوا: {فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ} أي يدع محاجّته في هذا الكلام الذي يلقيه علينا، ويقول عنه إنه معجزته التي يقدّمها بين يدى رسالته، وليأتنا بمعجزة غير كلامية، فإن مجال الكلام متّسع لكل قائل.. فإن كان رسولا من عند اللّه، كما يدّعى، فلم لم يأت بمعجزة نراها، كناقة صالح، وعصا موسى، ويد عيسى؟ عندئذ يمكن أن يكون له وجه يلقانا به على طريق دعوته، ويكون لنا يظر فيما يدّعيه..!
فانظر إلى كلمات اللّه، وقد أمسكت بالقوم وهم على مسرح الجريمة، ثم أخذت ما جرى على لسان كل ذى قول قاله في هذا المجلس الآثم.
{قالُوا أَضْغاثُ أَحْلامٍبَلِ افْتَراهُ بَلْ هُوَ شاعِرٌ فَلْيَأْتِنا بِآيَةٍ كَما أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ}.
لقد ذهب كل فريق منهم بقول من هذه الأقوال..!
وقد نسبت كل مقولة إليهم جميعا.. إذ كانوا كلهم شركاء فيما قيل.
فالمتكلم والسامع جميعا، شركاء فيه.
قوله تعالى: {ما آمَنَتْ قَبْلَهُمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَفَهُمْ يُؤْمِنُونَ}.
هو ردّ على ما اقترحه المشركون من أن يأتيهم النبيّ بآية كآيات المرسلين قبله.
فهل آمن أهل القرى الذين جاءتهم تلك المعجزات؟ لقد كفروا بتلك الآيات، فأهلكهم اللّه.. وهل شأن هؤلاء المشركين غير شأن من سبقهم؟
إنهم لو جاءتهم آية كتلك الآيات لن يؤمنوا، ولن ينجوا من هذا المصير الذي صار إليه المكذبون قبلهم.. أفليس من الضلال إذن أن يستعجلوا ما فيه هلاكهم؟.
قوله تعالى: {وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ}.
إنهم ينكرون أن يكون رسول اللّه بشرا مثلهم.. فعلى أيّة صورة يكون الرسول المبعوث من اللّه إليهم؟
ولم يكون رسولهم غير بشر، ورسل اللّه كلهم كانوا من البشر، ومن بين أقوامهم؟ إن لم يعلموا هذا فليسألوا أهل العلم، الذين لا تخفى عليهم هذه الحقيقة السافرة.
وقيل إن {أَهْلَ الذِّكْرِ} هنا، هم أهل الكتاب، من اليهود والنصارى.
والأولى أن يكون {أَهْلَ الذِّكْرِ} هم كلّ من عنده علم بهذا، سواء أكان من أهل الكتاب أم من غيرهم.
قوله تعالى: {وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ}.
أي أن هؤلاء الرسل، مع أنهم بشر، فإن اختيارهم للرسالة، لم يغيّر شيئا من بشريّتهم.
فهم مثل سائر البشر، تحكمهم ضرورات البشرية.. يأكلون، ويشربون وينامون، ويفرحون، ويحزنون. ثم يموتون.
والجسد: هو المادة المتجسّدة. والرسل مادة متجسدة، وليسوا من عالم الملائكة النورانى الشفاف.
قوله تعالى: {ثُمَّ صَدَقْناهُمُ الْوَعْدَ فَأَنْجَيْناهُمْ وَمَنْ نَشاءُ وَأَهْلَكْنَا الْمُسْرِفِينَ}.
ذلك ما لرسل اللّه عند اللّه.. إنهم على وعد اللّه لهم بالنصر، هم ومن اتبعهم من المؤمنين وقد صدقهم اللّه وعده، فأنجاهم وأنجى من آمن باللّه من أقوامهم، ممن شاء اللّه لهم الهدى.. فمن شاء اللّه لهم الهدى اهتدوا، فلم يصبهم شيء مما يحلّ بالمكذبين الضالين من أقوامهم، من هلاك وعذاب.